لا ينعم العراق إلاّ في ظل حكومة تقتدي بأمير المؤمنين سلام الله عليه

 

 

 

 

 

«فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله إن الله يحبّ المتوكلين».(1)

وفي آيات أخرى يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يتعلّموا من النبي ويقتدوا به في حياتهم ويتخذوه أسوة لهم، فقال سبحانه: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة».(2) 

 

لو أردنا أن نبحث عن الإنسان الناجح والموفّق في حياته، فإن الذي يقتدي بالنبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته سلام الله عليهم هو أحسن الناجحين والموفقين في الحياة؛ وذلك لأن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله كان الإنسان الأنجح والأكثر توفيقاً من كل الشخصيات في العالم بشهادة المؤمنين به وغيرهم.

 

لقد ألّف كاتب مسيحي قبل عدة قرون كتاباً جمع فيه أعظم مئة شخصية في تاريخ العالم أو (المئة الأوائل) كما سمّاهم، وذكر في المقدمة أنّه جعل الترتيب حسب الأولوية من حيث نجاح الشخصية في حياتها وتحقيقها للأهداف التي كانت تصبو إليها، وليس حسب التسلسل الزمني، ولذلك جعل اسم نبينا محمد صلى الله عليه وآله أوّل الأسماء ـ رغم أنه رجل مسيحي ـ لأنه صلى الله عليه وآله الشخصية الأنجح حسب رأيه. 

 

ما هو السرّ وراء نجاح النبي صلى الله عليه وآله في حياته، رغم كل الضغوط والمحاربات التي لقيها من قومه منذ أعلن دعوته حتى استشهاده صلى الله عليه وآله؟ 

 

من الأسباب الرئيسية التي تكمن وراء هذا النجاح الباهر هو ما ذكره القرآن الكريم في مواطن عديدة منها الآية التي صدّرنا بها الكلام أعني قوله تعالى: «فبما رحمة من الله لنت لهم» أي لينه صلى الله عليه وآله. لقد كان صلى الله عليه وآله ليّناً، ولم يكن فظّاً مع أي أحد، ليس فقط كنبيّ في تعامله خلال دعوته، بل كزوج مع زوجته وكأب مع أولاده، وهكذا كقائد مع جنده، فرغم أنه كان يمثّل القائد الأعلى للقوات المسلحة وكانت اشارة واحدة منه تكفي لإيقاف القتال أو استمراره ولكنه لم يستعمل الشدّة في الحديث مع أحد من جنده وأصحابه، بل كان عذب اللسان دائماً.

 

أما في مجال تبليغ رسالته، فرغم كلّ المضايقات والصعوبات التي لقيها من قومه ومعارضتهم الشديدة لدعوته، حتى شنّوا عليه الحروب في بدر واحد وغيرهما، وهو من عرفوه بينهم قبل ذلك بالصادق الأمين، رغم كل ذلك لم يُعهد أنه صلى الله عليه وآله تعامل بفظاظة مع أحد منهم طيلة حياته المقدسة، مع أنه لم يكن ـ حاشاه ـ انساناً ضعيفاً من حيث القوة البدنية أو النفسية فكان يتألّم ويغضب كسائر البشر بل كان يملك من القوة البدنية ما يعادل قوة أربعين رجلاً كما ذكرت الروايات، ولكنه كان يحظى بأخلاق عالية جداً، ولذلك كان يعامل حتى أعداءه بالمحبّة والأخلاق الحسنة، فكان بأخلاقه العظيمة يكسب أعداءه ويحوّلهم إلى أصدقاء، ويزيد من محبة أصدقائه له.

فلنتعلّم من النبي صلى الله عليه وآله ولنقتدي به في كلّ حياتنا كأب وكزوج وكأخ وكقائد وداعية وكرئيس ومدير، كما أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك؛ كي ننجح في حياتنا، وإني أوصي الشباب أن يطالعوا سيرته العظيمة ولو عبر الكتب المختصرة مثل «كحل البصر في سيرة سيد الشبر» للشيخ عباس القمي رحمه الله و«لأوّل مرة في تاريخ العالم» للراحل اية الله السيد محمد الشيرازي رضوان الله تعالى عليه. 

 

إن النبي عاش في قومه أربعين سنة لم يعرف عنه أنه آذى أحداً بل كان الوحيد الملقب بينهم بالصادق الأمين، ولكن ما إن أعلن دعوته حتى بدأت مضايقاتهم له ومقاطعاتهم وحروبهم التي استمروا عليها مدة عشرين عاماً، تحمّل خلالها هو وأصحابه الجوع والشدائد وحوصروا في شعب أبي طالب، وهاجروا إلى يثرب وكم من محاولات أجروها لقتله صلى الله عليه وآله ولكن الله تعالى حفظه منها... ورغم كل ذلك استطاع النبي أن يبني دولته وينتصر على أهل مكة في الحروب التي شنّوها عليه.وقد جاء في الروايات أنه:

«لما دخل النبي صلى الله عليه وآله مكة كانت إحدى الرايات بيد سعد بن عبادة وهو ينادي: اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة أذلّ الله قريشاً، فسمع أبو سفيان، ونادى: يا رسول الله اُمرت بقتل قومك! إن سعد قال كذا، وإني انشدك الله وقومك فأنت أبرّ الناس وأرحم الناس، وأوصل الناس. فوقف النبي صلى الله عليه وآله وقال: بل اليوم يوم المرحمة أعزّ الله قريشاً. وأرسل إلى سعد وعزله عن اللواء وقال لعلي سلام الله عليه: خذ منه الراية ونادي فيهم. وأخذ علي سلام الله عليه اللواء وجعل ينادي: اليوم يوم المرحمة».(3)

 

إن مطالعة سيرة الرسول صلى الله عليه وآله تكشف لنا أنه صلى الله عليه وآله كان بأمكانه أن يقتل أعداء الرسالة ويحقّ له ذلك، لكنه صلى الله عليه وآله مدّ لهم يده الرحيمة وأخرجهم بأخلاقه العظيمة مما هم فيه ومن قعر جهنم؛ لأنه نبي الرحمة واللين كما عبر القرآن الكريم. 

كما اود ان اذكر بثلاث وصايا وهي:

1. إقامة الأفراح خلال أيام السنة في ذكريات مواليد وأفراح أهل البيت سلام الله عليهم. كما أقاموا مراسيم الحزن خلال شهري محرم وصفر تطبيقاً لقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «إن الله اطلع إلى الأرض فاختار لنا شيعة ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أنفسهم وأموالهم فينا اولئك منّا وإلينا».(4)

2. تقديم الخدمات الإجتماعية ومن أبرز مصاديقها المساعدة في تزويج الشباب لأن وضع الشباب في المجتمعات الإسلامية اليوم لا يرضي الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف بل يؤلمه جداً، وأداء هذه المسؤولية التي تمثّل تطبيقاً لوصية النبي صلى الله عليه وآله لا تقع على عاتق طبقة أو فئة من المجتمع بل هي مسؤولية الجميع كلّ من موقعه وحسب قدرته.

3. تحسين الوضع الاقتصادي والمعاشي للمؤمنين من خلال أساليب ومنها افتتاح صناديق القرض الحسن لمساعدة المحتاجين في حلّ مشاكلهم الاقتصادية والمعاشية.

 

 

إن العراق يحظى بأهمية كبيرة لنا لسبب واحد فقط وهو أنه بلد أهل البيت سلام الله عليهم، والبلد الذي يضمّ مثوى الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه ومزاره في النجف الأشرف ـ ونحن مأمورون أن نزوره ـ ثلاث زيارات مخصوصة سنوياً على الأقل وهي يوم ولادة النبي صلى الله عليه وآله ويوم مبعثه ويوم الغدير، وإذا أضفنا لذلك يوم استشهاد النبي صلى الله عليه وآله في الثامن والعشرين من صفر أيضاً تصبح الزيارات أربعاً.وهكذا زيارات الإمام الحسين سلام الله عليه وما أكثرها في السنة.

فالعراق عراق العتبات المقدسة... عراق علي والحسين والجوادين والعسكريين والحجة المنتظر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.كما أن المزار الوحيد ـ المذكوركراراً في الروايات ـ للإمام المهدي المنتظر أرواحنا فداه هو سرداب الغيبة في سامراء. فهذا هو العراق، ولذلك فإن أي أذى يلحق بالعراق مهما كان صغيراً يتألم له كل مؤمن في أي بقعة من بقاع العالم كما أن أي خير يلحقه يفرح كل مؤمن أيضاً.

لقد نقل الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه مقرّ حكومته إلى الكوفة قبل 1400 عام ويوم يظهر الإمام الموعود القائم من آل محمد عجل الله تعالى فرجه الشريف فستكون الكوفة أيضاً مقراً لحكومته العالمية التي يشكّلها بأمر الله تعالى.وبعد أن أقام الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه حكومة في العراق لم ينعم العالم كله منذ ذلك التاريخ بمثلها ـ من حيث تطبيق العدالة والحقّ ـ وستكون حكومة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف العالمية كذلك أعظم حكومة يشهدها العالم عبر تاريخه، ينعم فيها بالخير والعدالة والطمأنينة والأمان والرفاه والسلام في كلّ المجالات. 

 

 لقد أقام الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه قبل أربعة عشر قرناً حكومة كان العراق عاصمتها، وقدّم فيها تطبيقات لم يستطع أي حاكم أو دولة حتى في الدول التي تدعي الرقي والتمدن أن يقول إنه ارتقى إلى مستواها؛ وإنني أرى أن أهم مسألة للحكومة المقبلة في العراق هي: أن تضع تطبيقات الإمام علي سلام الله عليه نصب عينها وأن تعمل به بنداً بندا، ومادة مادة، من أجل سعادة العراق وجيرانه والعالم كلّه.

المسألة الأخرى التي تتعلّق بالعراق ـ ولا تقلّ أهمية عن سابقتها ـ هي أن الملايين سوف يتّجهون سنوياً لزيارة العتبات المقدسة في العراق، ولقد بلغني أن عدد زوار الإمام الحسين سلام الله عليه في هذه السنة بلغ أربعة ملايين، وكان بعض من قدم من مدينة كربلاء ذكر أن هذا العدد قد فاق الخمسة ملايين، مع العلم أن أكثرهم كان من داخل العراق ولم يتح للمؤمنين من خارج العراق التوافد في هذه المناسبة بسبب عدم اكتمال السيطرة الأمنية والأخطار التي ما زالت تهدد أمن العراقيين من قبل أعداء أهل البيت سلام الله عليهم والتي ستزول قريباً ببركة أهل البيت سلام الله عليهم أنفسهم.

 

فلاشك أن عدد الزوار سيبلغ عشرات الملايين في المستقبل إذا ما كانت الظروف مهيّأة لأن محبّي الإمام الحسين سلام الله عليه الذين يتمنّون زيارته ويسعون للقيام بها والاشتراك في مراسيم الأربعين هم مئات الملايين. فالمسألة المهمة التي أودّ الإشارة إليها هي التفكير بتزويد هذه الجموع بزاد أهل البيت سلام الله عليهم الثقافي. وهذا يعني أن العراق بحاجة إلى آلاف ـ ولا أقول المئات ـ من المؤسسات الثقافية التي تعني بنشر ثقافة أهل البيت سلام الله عليهم حتى إذا قدم هؤلاء الزوار وأرادوا العودة إلى بلدانهم يحمل كل منهم كتاباً أو قرصاً أو كاسيتاً أو منشوراً فيه فكر أهل البيت سلام الله عليهم وثقافتهم هدية إلى أهله وذويه. 

 

إذن مسؤولية على كل فرد منكم اليوم هي المشاركة في تأسيس مؤسسات ثقافية تقوم بنشر ثقافة أهل البيت سلام الله عليهم، سواء على الصعيد المالي أو الثقافي أو الدعم المعنوي والتشجيع واستثمار كلّ العلاقات والامكانات التي يتوافر عليها في هذا المجال، وكذلك إقامة المشاريع الاقتصادية التي تخدم الزوّار وعامّة الناس ويذهب ريعها في الوقت نفسه لهذه القضية المباركة. 

---------------------------------------------------------------

 

[1]  / سورة آل عمران ، الآية 159.

[2]  / سورة الأحزاب ، الاية 21.

[3]  / شجرة طوبى للحائري / ج2 / ص 303.

[4]  / غرر الحكم ودرر الكلم / ص 117 / ح 2050