الهادي للبشرية


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


الإسلام دين الحقّ والصدق


لو علم النصارى أن الإسلام حقّ وصدق، وليس لفظاً مجرداً فقط بل هو عمل أيضاً - كما هو شأن إسلام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، والإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) - أفلا يصبحون مسلمين؟ وكذلك اليهود إذا ما صدّقوا بأن تلك هي حقيقة الإسلام، أفلا يؤول أمرهم إلى أن يصبحوا مسلمين؟

كيف غيّر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولئك الناس، وصيّرهم مسلمين، حتى تحقق قول الله تعالى: ((ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً))؟ ولماذا لم يتحقق مثل هذا الأمر (دخول الناس أفواجاً في الإسلام) خلال الثلاث عشرة سنة التي أمضاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكة المكرمة بعد البعثة الشريفة، غير أنه حصل أثناء السنوات التسع وبضعة أشهر التي عاشها النبي (صلى الله عليه وآله) في المدينة المنوّرة، حيث أقبل الناس أفواجاً وجماعات على الدين الإسلامي؟ لقد استطاع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أن يعمل، لأن الأرضية كانت مهيّأة له، ولو تهيّأت الأرضية نفسها للجميع في أيّة منطقة من العالم- بما فيها بلاد الكفر- لتحوّل سكان تلك البلاد إلى الإسلام.

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل إنسان، وصاحب خير منهج... فمن ذا الذي لا يحبّ أن يتبع المنهاج الأفضل، أو ينتسب إلى النظام الأمثل؟!

إن العزّة، والكرامة الإنسانية، والضمان الاجتماعي الذي طبّقه نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عملياً، لا يوجد نظير له في مكان من العالم، كما لا وجود لأيّ قانون يضاهي القوانين الراقية في الإسلام.

منهج حكم الإمام علي  (عليه السلام)

لعدة سنوات كانت الحكومة الظاهرية بيد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، عندما كان في الكوفة، وكانت الكوفة مدينة كبيرة، وبحسب ما أثبته بعض المؤرخين، فإن مساحتها كانت تتجاوز الخمسمائة كيلومتراً مربعاً، والبعض قالوا: إن مساحتها أكثر من ذلك، وكانت تمثّل عاصمة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

روي في أحوال أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنه خلال أربع سنوات وبضعة أشهر- وهي مدة حكومته الظاهرية (عليه السلام)- حدث أمر لمرّة واحدة فقط، لم يذكر التاريخ غيرها، ولا يوجد في سائر الكتب ما يشير إلى أن تلك الحادثة تكررت في زمان حكومته (عليه السلام).

 


التأمين الاجتماعي لأول مرّة في العالم


تقول الرواية إنه ذات يوم كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجتاز في أحد شوارع الكوفة، فرأى شخصاً يتكفّف فقال: ما هذا؟ فأجابه بعض من لا يعرف حقيقة الإسلام قائلاً: نصراني.. (قد هَرِمَ وصار لا يقوى على العمل، فهو يتسوّل)!!

وربما تصور المجيب أن الأمر يختلف عند الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا كان المتسول غير مسلم، والحال أنه في القانون الإسلامي لا يختلف الأمر من هذه الجهة.. الناس اليوم لا يعلمون هذه القضايا، وقد لا يصدّقون بها، قد يقولون: لماذا المسلمون اليوم ليسوا على هذه الشاكلة؟

لكن الذي حدث أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) جعل يلوم أصحابه على ما رأى من حال ذلك النصراني، وقال: »استعملتموه حتى إذا كبُر وعجز منعتموه«!!.

فأيّ نصراني، أو أي يهودي، بل وأي عابد وثن تعرضون عليه مثل هذا النموذج ثم لا يتغير؟! إذا صدّق بذلك، لا بدّ أن يتغيّر، بل ويؤثّر في أسرته ويجعلها تتغيّر أيضاً.

هل يوجد بلدٌ في العالم اليوم يخلو من المتسولين؟ لو ذهبتم إلى أغنى بلد في العالم، لوجدتم فقراء ومتسولين.. وبالطبع، فإن الأمر يتفاوت من بلد إلى آخر، فهناك بلد فيه متسوّلون وفقراء أكثر، وآخر أقلّ.. وهكذا فأنتم تلاحظون أنه حتى في أكثر بلدان العالم تقدّماً، وفي ظلّ أفضل القوانين العصرية يوجد متسوّلون، في حين لا يقبل الإسلام مثل هذه الحالة ولو على صعيد ضيق!!

 


الإسلام للدنيا والآخرة


الإسلام لا يتعلق بالآخرة فقط.. بل الإسلام يعني: سعادة الدنيا أيضاً.. يعني: الأمان.. يعني: الاقتصاد السليم.. يعني: السياسة السليمة.. يعني: المجتمع النظيف.. يعني: أن يكون كل شيء صحيحاً وسالماً.

ورسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه، حينما كان في المدينة المنورة، بل حينما كان في مكة المكرمة أيضاً- ولم يكن وقتها مبسوط اليد- أعلن قائلاً: »فأجيبوني تكونوا ملوكاً في الدنيا وملوكاً في الآخرة«، ومعنى ذلك أنه تعالوا ادخلوا في الإسلام، لتجدوا سعادة الدنيا والآخرة، أي تصبح الدنيا جنةً لكم، وفي الآخرة يكون مصيركم إلى الجنة أيضاً.

كما أن إسلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، يعني الإسلام الصحيح؛ أي إسلام القول والعمل، وليس إسلام الاسم فقط، كما عبّر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن إسلام أقوام: »يأتي على أمتي زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه«.

لهذا أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) في شأن ذلك النصراني المتكفف، أن يُجرى له من بيت المال راتب يكفيه لمعيشته.

أجل إن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) قدّم إلى العالم هذه الهدية التي فيها سعادة البشرية وحين يظهر صاحب العصر والزمان وليّ الله الأعظم الإمام الحجة (عجّل الله تعالى فرجه) سيتحقّق الوعد الإلهي: ((ليظهره على الدين كله))، وتنتشر راية الإسلام على كلّ أرجاء الكرة الأرضية، ويصبح الجميع مسلمين.

 


وصيّتان في مجال العمل الصالح


1- إقامة مجالس العزاء

هنا أقدم للإخوة وصيّتين، وأرجو أن يسعوا للعمل بهما إن شاء الله تعالى:

الأولى: ما كان يؤكد عليها أخي المرحوم سماحة آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (طاب ثراه) تكراراً ومراراً، بل هي الوصية التي صدرت عن الباري (عزّ وجلّ) قبل أن يخلق البشر: أن يجهد كلّ واحد منكم في إقامة مجالس العزاء والمشاركة فيها حتى بعد انتهاء شهر صفر، وعلى مدى السنة، فهذا الجهد المبارك لن يذهب -حتى قدر رأس إبرة منه- سدىً وسيكون ذخراً لكم، ويثبت في سجلّ حسناتكم إن شاء الله تعالى.

فبعد انقضاء شهر صفر، حاولوا درك هذا التوفيق العظيم، وأرجو أن توصوا الآخرين بذلك، وتتواصوا بينكم، وهو أن كل واحد منكم - سواء كان ربّ أسرة عنده دار، أم فتىً يافعاً- عليه أن يخصص ساعتين أو ساعة واحدة، أو حتى نصف ساعة لأجل الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

وإذا كان أحدكم فقيراً، ولا يملك شيئاً، فليعمل على النحو الذي يتناسب مع وضعه الاقتصادي، كأن يشعل شمعة أو ينير سراجاً باسم الإمام الحسين (عليه السلام) لمدة دقائق كل أسبوع، وسط الأفراد الذين يكونون معه في بيته.

وإذا أتيحت لكم فرصة أفضل، وحالفكم التوفيق، فادعوا جيرانكم وأقاربكم وسائر المؤمنين لمثل هذا الأمر.

وحتى إذا كنت عضواً أو مسؤولاً لهيئة حسينية، وينعقد كل ليلة وكل يوم مجلس ذكر لمصيبة أبي عبد الله (عليه السلام) في هيئتك، فلا تدَع منزلك يخلو من سراج باسم الإمام الحسين.. إن مجلس ذكر أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) هو رأس الخيط الذي أوصل ويوصل إلى الكثير من التوفيقات.

2- عليكم بالشباب

الوصية الثانية: صونوا شبابكم وفتيانكم، واعملوا على أن يكونوا مؤمنين ومعتقدين بالله والرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام). ومهما بلغوا من اعتقادهم، فاعملوا على زيادة هذا الاعتقاد لديهم.. لا أقول زيدوا أنتم من اعتقادهم، بل وفروا وسائل وأسباب ذلك.

علينا أن نعرّف للشباب والفتية نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، بالنحو والكيفية التي عرفّوا بها أنفسهم (عليهم السلام)، وبالطريقة نفسها التي عرّف بها القرآن الكريم شخصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحقيقة الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وليس عبر تلك الكلمات الناقصة أو المفرطة التي تصدر من بعض الجهات المضلّلة وهي تريد أن ترفع مقام الأئمة الأطهار (عليهم السلام) إلى أكثر من الحدّ الواقعي، أو تهبط بهم إلى ما دون ذلك، لا يجوز أن تنسبوا حتى صفة واحدة من صفات الله (عز وجل) إلى الأئمة الأطهار (عليهم السلام).

 


الإمام الصادق يتبرّأ من المفترين


يُروى أن شخصاً منحرفاً اسمه (محمد بن مقلاص) ويكنّى بأبي الخطّاب، كان يتظاهر بالإسلام، ولكن في حقيقته لم يكن مسلماً، حشر نفسه بين أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، وأخذ يتردد فيهم مدةً، وبمرور الوقت تعلّم بضع كلمات.

وبعد مضي زمان، صار يعرّف نفسه للناس على أنه يمثّل الإمام الصادق (عليه السلام)، ويطرح مسائل معيّنة.. وذات يوم ادّعى بأن الإمام الصادق (عليه السلام) هو الله، وأنه (أعني أبا الخطّاب) نبيّه(!!)، فلما بلغ خبره الإمام (عليه السلام) لعنه بشدّة، وقيل لأبي الخطاب غير مرة بأن الإمام الصادق (عليه السلام) لعنك، لكنه لم يكن يعبأ، وكان يقول في ذلك: هذا أمر مصطنع، إن الإمام يريد بانكاره تقديم المصلحة!!

فماذا يصنع الإمام الصادق مع مثل هذا الشخص؟ الأمور لا تسير كلها بالمعجزة، بل لا بد من أن يُمتحن الناس، وإنما تكون المعجزة لأجل إتمام الحجة، وإن وجود الإمام المعصوم نفسه- أي الإمام الصادق (عليه السلام)- هو إتمام للحجة، ((ليهلك من هلك عن بيّنة))، وما لم تكن هناك (بينّة) تكون المعجزة.

ذهب (محمد بن مقلاص) إلى مكة المكرمة لأداء مراسيم الحج، فجاء شخص إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وقال له: يا بن رسول الله! ذهب ابن مقلاص إلى الحج، وعند الإحرام في الميقات لبّى باسمك. تقول الرواية: انهمرت الدموع من عيني الإمام الصادق (عليه السلام)، وتغيّرت قسمات وجهه، ثم رفع يديه إلى السماء، وراح يتضرّع إلى الله تعالى ويقول: إلهي! لست أنا.. أنا استغفرك..! إلهي أنا أعتذر إليك.. ويطيل التضرّع إلى الله تعالى.

حسناً، نحن نسأل هنا: ما هو ضرر فعل (محمد ابن مقلاص) على الإمام الصادق (عليه السلام)؟ أَلم يقل القرآن الكريم: ((ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى))؟

إن الإمام الصادق (عليه السلام) يعرف هذه الآية أفضل مني ومنكم، وإن (محمد بن مقلاص) هو الذي قال ذلك القول بشأن الإمام الصادق (عليه السلام)، والإمام (عليه السلام) نفسه لم يقل ذلك، ولم يدّع هكذا ادعاء، فلماذا إذن يبكي الإمام؟ ولماذا يضطرب (عليه السلام)؟ ثم أوليس الله (عز وجل) يعلم بأن الإمام لم يقل ذلك وهو يعلم السر والعلن!!

ولعل بعض من كان حاضراً عند الإمام (عليه السلام) تعجب من استغفاره وتضرعه على هذا النحو، وتصرفه بهذا الشكل.. يقول الإمام (عليه السلام) لزيد النرسي – وهو راوي الحديث - : ما استغفاري وتضرعي لله (سبحانه وتعالى) إلا »لأستقرّ في قبري«، أي لأطمئن في قبري.

فهل يُحتمل أن يُسأل الإمام الصادق (عليه السلام) في القبر: لماذا قلت ذلك؟ بالطبع كلاّ، والإمام (عليه السلام) نفسه يعلم أنه لن يُسأل هذا السؤال، فما معنى قوله (عليه السلام): (لأستقر في قبري)؟!

قال بعض العلماء: قد يكون معنى تألم الإمام الصادق (عليه السلام) من عمل (محمد بن مقلاص)، واستغفاره، وتضرعه إلى الله، ومعنى قوله (لأستقرّ في قبري) هو: أنا أستغفر وأتضرع إلى الله، حتى لا يُقال لي في قبري: أأنت الذي قلت لمحمد بن مقلاص: لبِّ باسمي؟ فالإمام (عليه السلام) لم يرد أن يُسأل مجرد سؤال عن ذلك، لأنه يشقّ عليه أن يوجّه له مثل هذا السؤال!!

فلا معنى لهذا الكلام غير المناسب، والمبالغ فيه الذي يُنسب للأئمة المعصومين (عليهم السلام).. هذا النوع من الكلام يؤذيهم (صلوات الله عليهم أجمعين)، فهم الذين قالوا: »نزِّلونا عن الربوبية«.

إن الصفات الربوبية هي الصفات الخاصة بالله تعالى وحده، والأسماء الإلهية الحسنى تتعلق بذات الله المقدسة وحسب.

قال الإمام (عليه السلام): »يهلك فيَّ رجلان: محبّ غال، ومبغض قال«.


الخاتمة


إذن عليكم أن تصونوا الشباب.. وهذا واجب الآباء والأمهات، والأعمام والأخوال.. والأقارب، وهو واجب الشباب المتدين أيضاً.

اهتموا بالمجالس الدينية وروّجوا لها، وكذلك مجالس أهل البيت (عليهم السلام)، ومجالس القرآن، وهكذا الكراسات الدينية.. أيّ شاب تعرفونه، حافظوا عليه بكلّ طريق صحيح، وتحدّثوا معه بأساليب ليّنة مسالمة، وعاودوا الحديث معه مرة بعد أخرى.. وإذا تحدثتم مع شابٍ لعشر مرات، ولم ينجذب إليكم، فحدثوه للمرة الحادية عشرة، وإلى المرة العشرين وهكذا.. المهم ألا تيأسوا، لأنه كلما ضاع شابٌ، تغيّر تاريخ بعينه.. وكلما آمن شاب وصار معتقداً حقاً، فمن الممكن أن يهتدي بوساطته، في المستقبل آلاف الشباب.

أرجو ببركة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت المعصومين الأطهار (عليهم السلام)، أن تُقبل أعمالكم جميعاً، وتُثبّت في صحائف حسناتكم، وأن توفَّقوا جميعاً في العمل بهاتين الوصيتين..

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.